العالم في كربلاء

حينما استشهد الامام الحسين – عليه السلام- على يد دواعش بني أمية، وتُرك على الارض ثلاثة ايام هو وأولاده وإخوته وأصحابه مجزرين في العراء في أبشع منظر عرفته الانسانية على مر العصور والدهور، اعتقد الظالمون أن قضيته قد انتهت بدفنه في كربلاء المقدسة وقد أسدل عليها غطاء من النسيان، لكنهم لم يستطيعوا محو ذكره أو درس أثره، وهذا ما وعدت به عقيلة الطالبين زينب الكبرى _ عليها السلام _ في أشد أيام المأساة الكبرى .
ولو عاد بنا الخيال الى سنة ٦١هجرية وتحديدا ظهيرة يوم العاشر من محرم الحرام لشاهدنا الجثث الزواكي منتشرة على أرض جرداء ،لا من ناصر أو معين . وحين نغادر هذا المشهد الرهيب لنطل على كربلاء اليوم لنجد المدينة تموج بالزائرين كالبحر الهادر وقد أتوها من كل حدب وصوب، وكأن العراق كله في كربلاء، وإذا أردنا الدقة فيمكننا القول إن العالم كله في كربلاء .
إن كربلاء الحسين _ عليه السلام _ احتضنت الناس بقلبها الرؤوف، وأغدقت عليهم من عطائها الثر وغشيتهم بجلبابها الطهور .
إن القضية الحسينية تتسع يوما بعد يوم وتصل الى أماكن لم تصلها من قبل، ويعجز التفكير الانساني عن تفسير ظاهرة الزيارة الاربعينية وتحديد ماهيتها، فلم تشهد البشرية تزاحما على الارض من أجل ان تهب كل ما تملك. اذهب الى هناك وابحث عن مكان كي تضع فيه رحلك لتنصب موكبا ولو صغيرا ستجد ان المكان قد تم حجزُه!! حجزَه الاخرون منذُ سنين كي يهبوا كل ما يملكون للزائرين. لم يكفهم يوم واحد للتبرع والجود بما يملكون وانما يحتاجون اياما وأياما،، يستقرضون الاخرين من أجل ينفقوا في هذه الايام المعدودات ويعودون بعد ذلك الى ديارهم يعملون ليسدوا قروضهم، ينفقون ماملكوه في الماضي وما يملكونه في المستقبل!! هل من تفسير !!
إن كربلاء في هذه الايام تتوارد عليها الوفود من الاصقاع المختلفة بأعداد مهولة وغير متوقعة سنة بعد أخرى، لكن لم يلحظ أي احتكاك بين الزائرين، خلافا لتجمعات أخرى أقل من هذا التجمع الضخم غير المسبوق، قد تحصل فيها حوادث مفجعة مؤلمة بسبب سوء التخطيط والتنظيم والادارة، وهذا يعني إن العناية الالهية ولطفها، وعناية آل بيت محمد _ صلى الله عليه وآله – . إن العالم استقر في كربلاء في هذه الايام بمناسبة تجديد الحزن في العشرين من صفر بمناسبة أربعينية سيد الشهداء _ عليه السلام ._
قم جدد الحزن في العشرين من صفر …… ففيه ردت رؤوس الآل للحفر
وهذا أمر فريد في كل مدن العالم، فلولا رقود الحسين _ عليه السلام _ فيها لما حدث مثل هذا التجمع المهيب غير المسبوق على مر الازمان والعصور، الذي لا يمكن أن يحدث في أي مدينة على وجه البسيطة، فعناية أبي عبد الله الحسين _ عليه السلام _ هي التي جعلت العالم يستقر في كربلاء مدينة الحسين _ عليه السلام _
فسلام على الحسين في الخالدين
وسلام على الحسين في الشهداء والصديقين .
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين ورحمة الله وبركاته.

أ.د. علاوي سادر جازع

Comments are disabled.